محمد بن علي الشوكاني
5494
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
البحر من أعظم المرئيات عيانا وأكبرها ! والإبرة من أصغر الموجودات ! مع أنها صقيلة لا يتعلق بها ماء والله أعلم . انتهى . أقول : انظر إلى هذا الكلام الفياض والعطاء الجم ! فإن اجتماع جميع الإنس والجن ، أولهم وآخرهم في مكان واحد ، ثم تفضله عز وجل بإعطاء كل سائل مسألته على أي صفة كانت ، وفي أي مطلب من المطالب اتفقت ، كرم لا يقادر قدره ولا يبلغ مداه . ولعل المراد من هذا الإخبار الرباني لعبيده الضعفاء - الذين خلقهم وأحياهم ورزقهم ثم يميتهم ثم يحييهم الحياة الأبدية إنما لنعيم مقيم أو لعذاب أليم - هو تأكيد استغناءه عز وجل عنهم ، وعدم حاجته إليهم ، وأن من كان هذا شأنه يعطي جميع العالم من الإنس والجن - عند اجتماعهم المفروض أولهم وآخرهم - كل سائل مسألته ، ولك مستعطٍ عطيته ، هو ذا الغنى المطلق الذي لا يتعاظمه شيء ، ثم ترغيبهم في سؤاله واستعطائه ، وأنه عز وجل لا تفني خزائن ملكه ، ولا تنقص بالعطاء بحار كرمه ، ولا يؤثر فيها سؤال السائلين ، وإن كانوا في الكثرة على هذه الصفة التي تقصر العقول عن الإحاطة ببعض البعض من أهل عصر من العصور ، فكيف بجميع الناس من عند آدم إلى ما لا نهاية له معلومة لنا ، فكيف إذا انضم إليهم الجن أولهم وآخرهم . فسبحانه ما أعظم شأنه ، لا أحصي ثناء عليه ، هو كما أثنى على نفسه ، لا جرم إذا ضاقت أذهان العباد عن تصور كرمه وتفضله ، فهو خالق الكل ، ورب العالم ، وليس عالم الإنس والجن بالنسبة إلى كل العالم من المخلوقات إلا القدر اليسير ، وهو يعطي الكل الخير ، لأنه إذا كان شأنه هذا الشأن العظيم من إعطاء السائلين ، فهو قد تكفل لهم بأن يخلف عليهم ما أنفقوا كما قال في كتابه العزيز : { وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } ( 1 ) .
--> ( 1 ) [ سبأ : 39 ]